سيد محمد طنطاوي

447

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بإخراج الرسول صلى اللَّه عليه وسلم منها ، كما قال - تعالى - : وإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها . . . ولهذا أورث اللَّه - تعالى - رسوله مكة ، فدخلها ، وقهر أهلها ، ثم أطلقهم حلما وكرما ، كما أورث اللَّه القوم الذين كانوا مستضعفين من بني إسرائيل ، مشارق الأرض ومغاربها . وأورثهم بلاد فرعون . . . » « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بقوله : * ( فَإِذا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ) * . أي : فإذا جاء وعد الدار الآخرة ، أي : الموعد الذي حدده اللَّه - تعالى - لقيام الساعة ، أحييناكم من قبوركم ، وجئنا بكم جميعا أنتم وفرعون وقومه مختلطين أنتم وهم ، ثم نحكم بينكم وبينهم بحكمنا العادل . واللفيف : اسم جمع لا واحد له من لفظه ، ومعناه الجماعة التي اجتمعت من قبائل شتى . يقال : هذا طعام لفيف ، إذا كان مخلوطا من جنسين فصاعدا . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا مما دار بين موسى - عليه السلام - وبين فرعون من محاورات ومجادلات ، وبينت لنا سنة من سنن اللَّه - تعالى - التي لا تتخلف في نصرة المؤمنين ، ودحر الكافرين . ثم عادت السورة الكريمة إلى التنويه بشأن القرآن الكريم ، وأثنت على المؤمنين من أهل الكتاب الذين تأثروا تأثرا بليغا عند سماعه ، فقال - تعالى - : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 105 إلى 109 ] وبِالْحَقِّ أَنْزَلْناه وبِالْحَقِّ نَزَلَ وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً ونَذِيراً ( 105 ) وقُرْآناً فَرَقْناه لِتَقْرَأَه عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناه تَنْزِيلًا ( 106 ) قُلْ آمِنُوا بِه أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِه إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقانِ سُجَّداً ( 107 ) ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا ( 108 ) ويَخِرُّونَ لِلأَذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ( 109 )

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 124 .